الغزالي

72

إحياء علوم الدين

كل ذلك بثمن بخس دراهم معدودة ، إذ لم يبيعوا ذلك إلا بشهوات حقيرة في الدنيا أياما قصيرة ، وكانت غير صافية ، بل كانت مكدرة منغصة ، فيقولون في أنفسهم وا حسرتاه ! كيف أهلكنا أنفسنا بعصيان ربنا ، وكيف لم نكلف أنفسنا الصبر أياما قلائل ، ولو صبرنا لكانت قد انقضت عنا أيامه ، وبقينا الآن في جوار رب العالمين ، متنعمين بالرضا والرضوان ! فيا لحسرة هؤلاء وقد فاتهم ما فاتهم ، وبلوا بما بلوا به ، ولم يبق معهم شيء من نعيم الدنيا ولذاتها ثم إنهم لو لم يشاهدوا نعيم الجنة لم تعظم حسرتهم ، لكنها تعرض عليهم ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « يؤتى يوم القيامة بناس من النّار إلى الجنّة حتّى إذا دنوا منها واستنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعدّ الله لأهلها فيها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون بحسرة ما رجع الأوّلون والآخرون بمثلها فيقولون يا ربّنا لو أدخلتنا النّار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا فيقول الله تعالى ذاك أردت بكم كنتم إذا خلوتم بارزتمونى بالعظائم وإذا لقيتم النّاس لقيتموهم مخبتين تراؤن النّاس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم هبتم النّاس ولم تهابونى وأجللتم النّاس ولم تجلَّونى وتركتم للنّاس ولم تتركوا لي فاليوم أذيقكم العذاب الأليم مع ما حرمتكم من الثّواب المقيم » قال أحمد بن حرب : إن أحدنا يؤثر الظل على الشمس ، ثم لا يؤثر الجنة على النار ! وقال عيسى عليه السلام : كم من جسد صحيح ، ووجه صبيح ، ولسان فصيح غدا بين أطباق النار يصبح وقال داود : إلهي لا صبر لي على حر شمسك ، فكيف صبري على حر نارك !